هاجر الى استراليا ثم عاد الى مصر

منذ أن عدت من استراليا في العاشر من شهر مارس السابق و أنا لا يسألني الناس إلا عن شيء واحد فقط: لماذا عدت؟

أذكر تلك الأحداث كأنها كانت بالأمس … أعددت العدة لأحصل على أعلى النقاط، تم الاعتراف بي كمهندس باستراليا، و كانت درجاتي جيدة جدا في ال”IELTS”، فلم يمر الكثير إلَّا و قد أرسلت ادارة الهجرة إليَّ لتوثيق و ارسال الأوراق حتى يتسنى لهم مراجعتها و من ثَم ارسال خطاب برفض أو بقبول الاقامة الدائمة… لم أستعين بمكتب للهجرة و قمت باعداد جميع الأوراق بنفسي، و لذلك لم أكن على تمام الثقة إن كان سيتم قبولي أم لا …

و أثناء انتظاري للرد قمت كعادتي بدراسة مكثفة لجميع جوانب الحياة في استراليا: أين سأقيم، بأي مقاطعة، كم هي المصاريف المتوقعة، المدارس، سوق العمل، الدراسة، المواصلات، خرائط المدن، الى اخره …

و في ليلة مقمرة، يصل الإيميل و فية خطابات الاقامة الدائمة لي و لزوجتي و لابنتاي … لم أتردد للحظة و قمت بحجز التذاكر في نفس يوم حصولي على خطاب الإقامة على أن أقوم بالسفر أولا ثم تقوم عائلتي باللحاق بي بعد شهرين …

كان والداي على اقتناع كامل أن مصر هي جنة الله في أرضه و أن نصف أهل السويد يتمنون العيش في بلدنا الجميل، و بعد نقاش بيزنطي دام عدة أيام وافقوا مبدئيا على القدوم لاستراليا بعد أن يستقر بي الحال هناك. توكلت على الله و ودعت أهلي و سافرت …

كنت أعلم مراحل التوظيف الخمس في استراليا، فلم أضيع وقتي بمحاولة البحث عن وظيفة في مجالي فقط و لكنني سرت في الاتجاهين … و بمجرد وصولي الى “ميلبورن” لم استرح الا بضع ساعات و بدأت من فوري في ارسال سيرتي الذاتية عالية التفاصيل الى جميع الشركات التي بحثت عنها و أنا لا أزال في مصر و في نفس الوقت قمت بارسال النسخة الأقل تعقيدا من سيرتي الذاتية الى محطات البنزين، السوبرماركتس، المحلات، المكتبات … الخ، و بداية من اليوم التالي وضعت خريطة يومية لأمر على كل مكان يمكنني العمل فيه …

المواصلات في استراليا سيئة للغاية، لا يمكنك الاعتماد عليها فقط، فلا هي تغطي كامل المدينة، و لا مواعيد البدء و الانتهاء لها تناسب من يعملون مبكرا، كما أن الوقت بين الحافلة و التى يليها قد تصل الى خمسون دقيقة … محطات الأوتوبيس ليست كلها تحمل اسم ، و لذا يمكن أن تصاب بالحول و أنت تحاول أن تعرف أين ستترجل من الحافلة، أما اذا فاتك مكان النزول، فيمكنك أن تمني نفسك بوصلة مشي في مدينة لم تصمم ليُمشَي فيها، الخلاصة أنك لو لم تكن تمتلك سيارة فأنت في حكم الميت، و ان كنت تكره القيادة مثلي و تحب المشي، فلن أصف لك مدى متعة الحياه في تلك المدينة … و لذلك كان علي أن أشتري سيارة في أسرع وقت ممكن …

ذهبت الى مزاد “مانهايم” و هو أشهر مزاد للسيارات في استراليا … أخذوا بياناتي و أعطوني كتيبا به شرح للمزاد و بيان بالسيارات المعروضة الى جانب لوحة بها الرقم الذي ساستخدمه أثناء المزاد … رأيت هناك مجموعة من الهنود قادمين مع أحد أصدقائهم لمساعدتة على اختيار سيارة تناسبه … تشجعت من هذه الروح الجماعية و حاولت أن أسأل بعض الموجودين و الذين تدل ملامحهم على الشكل العربي عن تكتيكات المزاد، أجابني أحدهم بعربية تبدو عراقية أن “كل شي موجود بالكتيب معك” و هو يلوح بيده بمعنى “ناقصاك هيه بروح ##$$!” … و تأملت في الهنود و هم يساعدون صاحبهم: يشير لهم أن تلك السيارة جيدة و يشيرون أن لا، هناك الأفضل، حتى أتت سيارة اتفقوا على أنها تناسبه، أشار أنها غالية الثمن، فقالوا له أن “No worries” بمعنى “عيب يا كبير، وراك رجالة” … هكذا مجتمع الهنود في أي مكان، يقفوا بجانب بعضهم البعض الى أن ينجحوا، نجاح القادم الجديد الى البلد هو من نجاحهم … أعجبتني سيارة و رفعت الرقم الذي أحمله في المزاد و رسى العطاء علي … سيارة صغيرة كانت، ذات ناقل سرعات يدوي لذلك لم يقبل عليها الكثيرون و لذا ابتعتها بمبلغ زهيد … لك أن تتخيل و أنا أحاول التعود على انقل السرعات بيدى اليسرى حيث يجب أن تبعد الفتيس عنك للحصول على السرعة الأولى، لا أن تجزبه ناحيتك! … المقود ناحية اليمين، لتجد أن هناك حزء من السيارة الى يسارك لم يكن موجودا من قبل … الشارع نفسه معكوس: تمشي على اليسار ببطئ و بسرعة على اليمين، و تدور في الميادين مع عقارب الساعة و ليس العكس … و مع بعض الأخطاء التي لولا ستر الله عز و جل لحدثت مصيبة، يمكنني القول أنني تعودت على القيادة ناحية اليمين بعد اسبوع واحد…

أماكن الانتظار في وسط المدينة كارثية: هذه مدينة لم تصمم لينتظر فيها كل هذا العدد من السيارات، كما أن معظم أماكن الانتظار تكون بثمن تدفعة لماكينة موجودة بجانب الشارع لست أدري من هو العبقري الذي اخترعها … هناك بالطبع جاراچات و لكنها قد تمثل ميزانية خاصة بها اذا كنت ممن يذهبون كثيرا الى وسط المدينة …

مر أول شهر كأسوأ ما يكون … كنت أقيم في ضاحية “كولينوود” التي تبعد عن وسط المدينة حوالي ثلاث كيلومترات، خالية من العرب تقريبا و من أي سمت اسلامي، لا مساجد، لا مطاعم للأكل الحلال، المواطن الاسترالي قليل الدخل، السمج، الذي يزين الوشم جميع أجزاء جسده … غسالات الملابس المجمعة، المنازل ذات الألوان الكئيبة و الرسومات على الحوائط في الطرقات و التي لا يمكن أن يكون قد رسمها إلا مريض نفسي، لا يمكن أن تخرج تلك الرسومات الا من نفسية سفاح! المواطن الاسترالي نفسة انسان قليل الثقافة ان لم يكن معدومها، تركب المواصلات لتجد من ينظر في هاتفه ببلاهة أو من ينظر من الشباك و تبدو عليه علامات الارهاق الممزوج بالعرق … لن تدخل القطار هنا لتجد من يقرأ كتابا، أو من تفوح منه رائحة زكية كما تجد في أوروبا… وجوه كالحة تلك التي تملأ القطار …

و مع انتهاء الشهر الأول، وفقني الله في ايجاد وظيفة في شركة لحوم شهيرة هناك بها خط انتاج للحم الحلال، أنقل بعض الصناديق و أقبض 700 دولار استرالي في الاسبوع، عمل مجهد و سخيف و لكنه يكفل لي حياة معقولة … و هذا ما يميز أي بلد اخر غير مصر: يمكنك أن تعمل أي شيئ و تعيش حياة كريمة، فقط اخرج من بوتقة الطبقية الزائفة التي فرضها علينا المجتمع المصري، ففلان سباك، لا يمكن أن يتزوج ابنتي الدكتورة التي أنفقت “دم قلبي” على تعليمها، في حين تكتشف أن دخل السباك في استراليا أكثر بأربعة أضعاف من دخل المهندس حتى تتمنى أن تتزوج ابنتك من سباك أو كهربائي و تخاف أن يكون حظ ابنتك عاسرا فتتزوج مهندسا …

تعرفت بعدها على شاب مصري و لكنه مولود في استراليا … كانت لديه شركة صغيرة لتركيب كاميرات المراقبة … بدأت في العمل معه … تعلمت أثناء تعاملي معه أنه سواء ولدت في استراليا أم لم تولد، ما دمت تحمل العرق ال”مصري” فستكون أخلاقك هي كما تمليه عليك تلك الݘينات اللعينة! عرض على أن أبدأ في شراء بعض الأسهم في شركته لنكون شركاء في المستقبل … كانت فكرة جيدة، فها أنا ذا أعمل في وظيفة مؤقتة جيدة الى حد ما الى جانب وعد بتحولها الى عمل خاص، لأكون قد عبرت عدة مراحل في وقت قياسي بفضل الله عز و جل …

و مع اخر الشهر، وصلتني أول مكالمة من شركة توظيف. قال لى المتحدث أنه اطلع على سيرتي الذاتية في LinkedIn و أخذ يمجد في خبرتى التى اكتسبتها Overseas على حد قوله J. قال لي أن لديه وظيفة هندسية هي Reliability Engineer باحدى المصانع الصغيرة بميلبورن، على مسافة خمس و عشرون كيلومترا فقط من werribee التي كنت قد انتقلت للاقامة بها … فرحت بالطبع و سألني ان كنت أقبل ب”خمسون” دولار في الساعة فقلت له بكل تواضع أني لا أفكر الان في المال و لكنني أفكر في بناء طريقي أولا داخل سوق العمل الاسترالي J

كثير من الأوراق على الايميل و الاقرارات لكي يقدم باسمي في تلك الوظيفة، ثم أخبرني بعدها أنني لم أوفق في القبول لوجود مهندس اّخر منافس استرالي الجنسية، لديه مقومات أقل و لكنه يتحدث باللكنة الأسترالي. نعم، يجب أن تعرف أنه طالما العمل ليس بجهة حكومية، فالأولوية لمن يتحدث باللسان الاسترالي … يجب أن تعرف كيف تلفظ رقم “ثمانية” ك “اّايت” و ليس “إيت”، ,و”هايتش” و ليس “اتش” و انت تلفظ حرف ال “H” … يجب أن تستخدم “نو ووريز” كثيرا بمعنى “فل” أو “ما فيش مشكلة” … يجب أن تتعلم كيف تلقي نكات بالاسترالي … لم أحزن كثيرا، فمعنى هذا أنني على مشارف المرحلة الثالثة، و هي أن أجد وظيفة في مجالي في شركة صغيرة، و هي مرحلة تأتي عادة ما بين الستة أشهر و السنة من وصولك الى استراليا، و بالتالي كنت على تمام الثقة وقتها في أن الحياة بدأت تبسمها في وجهي كأجمل ما يكون …

أثناء عملي في شركة اللحوم، أدهشني أن أجد مسئولة التدريب محجبة … سمراء هي، ملامحها تشي بأنها شرق أسيوية، بنغالية أو فلبينية، لست أدري، المهم، أشرق وجهي و سألتها عما اذا كان هناك مكان لأؤدي الصلاة، قالت لي “انت مسلم، … جميل” و تلفتت حولها و كأنها تتأكد من أن أحدا لن يسمعها، ثم قالت “عندما تريد الذهاب للصلاة قل لهم أنك ذاهب الى الحمام”. استغربت كلامها و سألتها “لماذا، الشركة تنتج اللحم الحلال بالفعل، فلماذا اخفي ذهابي للصلاة؟” قالت ” سوف يسمحوا لك بالذهاب الى الحمام و لكنك ستفقد وظيفتك اذا تركت العمل و ذهبت لتصلي، و لو أخذت وقت أقل، و هذا ينطبق على يوم الجمعة! … انتاج اللحم الحلال بيزنيس و ليس عقيدة يا صديقي” …

كنا نبدأ العمل مبكرا جدا، و كان الفجر يؤذن بعد بداية العمل و كان انتظاري لميعاد الراحة معناه أن تضيع علي صلاة الفجر … استأذنت عدة مرات لأذهب الى الحمام لأصلي الفجر بدون أن يراني أحدا … و بما أن الوشاية كانت هي السائد في المجتمع الاسترالي بحجة “المواطن الشريف” الذي لا يصمت عن الحق حتى ينال الخاطئ بعيدا عن أعين الرؤساء جزاءه، قال لي زميلي “لن أبلغ رئيسنا أنك تذهب الى الحمام كل يوم في نفس الوقت، أتدري لماذا؟ لأنك مصري و مصر و السودان أشقاء”، قالها و عينيه تلمع في خباثة … كان من جنوب السودان، أسود البشرة، و قد تنبهت أنه يريد أن أغطي أنا الاخر على غيابه، و بالفعل بدأ يختفي في بعض الأحيان و هو على يقين أني لن أخبر أحدا حتى لا يخبر أحدا هو الاخر، و أدركت وقتها كم هم أشقاء مصر و السودانJ

كانت المشكلة الكبرى هي الحصول على بيت … مكثت عند أحد المعارف بعض الوقت، عرضوا على مشكورين المبيت في مكتبهم حيث لا يوجد أحد ليلا و ذلك لتوفير نفقاتي لحين حضور زوجتي و ابنتاي … كنت أبحث عن بيت يكفي لعائلتي و يكفي لأبي و أمي حين يحضران الى استراليا في المستقبل … و مع اقتراب الوقت يبدأ الشعور بالقلق، أين سيمكثون؟ هل أؤجل سفرهم؟

كان الحصول على بيت شيء بسيط: يجب فقط أن يكون لديك وظيفة جيدة، حساب بنكي محترم، تاريخ ايجار يمكِّنَهم من سؤال “مالك الأرض” اذا كنت تدفع الايجار في موعده أم لا، تحافظ على البيت و تنظفه أم تجعله كالحظيرة، هل هناك من يسكن معك و ليس اسمه ضمن “Application” الايجار، ثم يطلب منك أيضا تقديم مائة نقطة من التعريف الشخصي كالبسبور، رخصة القيادة، شهادة ميلاد، كارت ال”ميدي كير”، الخلاصة أنه لن يمكنك بأي حال من الأحوال أن تكمل المائة نقطة في بداية حياتك في استراليا …

كنت اذهب الى مواعيد معاينة البيوت للايجار، و أقدم كل ما أملك من مستندات ثم يصلني إيميل الرفض بعدها بيومين على الأكثر … بعد تفكير و استشارات لبعض المعارف قررت أن أُعد “Cover letter” لأقدمه مع الوثائق التي أقدمها مع كل Application للايجار حتى وصل عدد الوثائق الذي أقدمها الى أكثر من الأوراق التي قدمتها لادارة الهجرة …

و بدأت في عرض دفع مبلغ أكبر من المعروض للايجار مع دفع شهر مقدم، ثم شهرين، ثم ثلاثة أشهر بدون أن ألقى قبولا…

و يأتي الفرَج فجأة و يتم قبولي في بيتين: أحدهما قبَل مالك الأرض أن أدفع ايجار أكبر على أن يأخذ ثلاثة أشهر مقدما، أما الاّخر فلم يقبل بالزيادة و لم يقبل بثلاثة أشهر مقدما! كان مسلما، من بلد شرق أسيوي، قرأ ال Cover letter و أراد أن يساعد ذلك القادم الى بلد جديد، دون أن يعرفه، و دون أن ينتظر منه شيئ … و فعلا، دفعت الشهر الأول، و وقعت على العقد لأكون قد خطوت أهم خطوة منذ قدومي لاستراليا … بيت كبير هو بمنطقة “Hoppers Crossing”، حديقته الأمامية و فناءه الخلفي جميلتين، يليقان بجلوس أبي و أمي بهما و هم يشاهدان بناتي تلعبان و مكان لانتظار أربع سيارات، و أهم شيء ثلاث غرف كبيرة حتى تكون احداها لأبي و أمي، تخيلتهم وقتها و هم يتناولان طعام الافطار في الحديقة و تبدو على ملامحهم علامات الرضا، … كم أشتاق اليكما …

كنت قد وجدت وظيفة جانبية أخرى بجانب الوظيفة الصباحية … كنت أحلم أن أجري على والداي لأخبرهم أنني نجحت، نعم، بعد الشهر الأول الذي مر عليَّ كأسود ما يكون، أعمل حاليا بوظيفتين، و وفقني الله في الحصول علي عقد ايجار بيت …

كنت أحدث والداي و ألحظ بريق صوتهما يخفت … أسأل ماذا بكما فيخبراني بأنهما بأحسن حال … والدي يزيد عمره كل مكالمة عن ما سبقها عدة أعوام، و والدتي صار صوتها يحمل حزن يوما بعد يوم … أسأل اختي عما بهما فتجيب بأنهما في أحسن حال، لم أعد أطيق، و في يوم ألححت على أختي باخباري بحقيقة ما يحدث، فقالت أنها لن تستطيع الكتمان أكثر من ذلك … منذ أن سافرت كان والدي يتسائل دائما “من سيدفنني؟” … نعم كان يعتبرنني أنني صديقه و ليس ابنه، كان يحترم كلمتي، يعتبر أنني سنده في هذه الدنيا، كان يقول لوالدتي أثناء سفري “ماذا سنفعل لو حدث لنا مكروه؟ من سنلجأ له؟” فكانت تجاوبه قائلة “ربنا ما بينساش حد، أكيد حنلاقي حد يقف جنبنا” … ثم بدأت حالته الصحية في التدهور … كان يعتبر نفسه وحيدا منذ أن سافرت، و ها أنا ذا، أرمي كل هذا وراء ظهري و أذهب الى حياة جديدة، بعيدا عن المشاكل، بعيدا عن هذا البلد العجيب، أهاجر لحياة أكثر متعة و أرفض ثواب دائم أرسله الله لي …

لم أنم ليلتها، و في اليوم التالي دارت محادثة طويلة بيني و بين أبي و أمي لاقناعهما بالقدوم مع زوجتي و ابنتاي، فالبيت جاهز، و ڤيزا زيارة الأم و الأب صارت اجراءاتها بسيطة و يمكنك ببساطة أن تحصل على خمسة أعوام كاملة، مما يعني اقامتهم الدائمة معي، لكن قالها لي والدي: سأعيش و أموت في مصر …

أردت أن أهرب في العمل لكي لا أفكر في الأمر … و وسوس اليَ الشيطان أن “أحافظ على أكل عيشي” كما يقولون و أصلي في وقت الراحة … نفضت عن خاطري هذه الوسوسة بفضل الله و استغفرت الله و ذهبت لصلاه الفجر… و بعد أن صليت الفجر قررت أني لن أرجع بعد الراحة الثانية و سوف أذهب لأصلي الجمعة …. وبالفعل ذهبت الى المسجد الألباني بضاحية “كارلتون” لأستمع لخطبة عن عقوق الوالدين! لم يكتفي الشيخ الجليل بالعزف على ذلك الوتر، و لكنه ذكرني بالفرق بين “من كانت هجرته لله و رسوله” و “من كانت هجرته لدنيا يصيبها” … ذكرني بتلك الآية من سورة الحديد، و التي لم أكن أحفظها حينها بعد عملي لمدة عشر سنوات في صناعة الحديد “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”

و بعد الصلاة، قدت بسيارتي على غير هدى … لم أفهم وقتها كم هو صعب على من يمكث في بيته الذي يملكه إن ينتقل الى بيت ابنه ليكون “ضيفا” بعد أن كان مَلِكا… لم إدري وقتها كم هو صعب إن أعيش على نفقة أبنائي حتى و إن كنت في جنة … كيف لم أفهم كم هي غالية كرامة الوالدين، و كم هي ثقيلة أنانية الأبناء؟

لا تحزن، فيمكنك دائما أن تأتي لتزورنا كل عام لنرى كيف صارت بناتك يتحدثن العربية الركيكة، لا، لا تعود، سهلة هي الحياة بعد برامج التواصل الاجتماعي، يمكننا دائما محادثتك، متابعة أخبارك، مشاهدة بناتك و هن يكبرن، يمكننا دائما إن نملأ عينانا منك و منهن من على بعد …

لم أدري وقتها قيمة ان تشعر ان أبنائك على مرمى حجر منك، حتى لو لم تحتاجهم، فقط تعلم انهم هناك، ترى أنك يمكنك أن تنظر في عيونهم و أنت على فراش الموت دون أن تتسائل بخوف: تُرى هل سيقطعوا كل هذه المسافة ليكونوا بجانبي قبل إن يحين الوقت؟ ترى هل يهمهم أن يكونوا بجانبي وقتها من الأساس؟

كنت أنظر لصور ابنتي و أتسائل: ترى هل سيتركونني هما الأخريتان حين أكبر؟ كان اشتياقي لهم كفيلا بأن إشعر بما يشعر به أبواي الآن، و ان لم يشعراني أبواي بما يشعران …

كنت كمن فقد متعة كل شيء …. انظر معي الى هذا الشاب الذي يضع الوشم على جميع أجزاء جسده، مجرد رؤيتي له أصابتني بالغصة … ثم لماذا كل هذا العُري؟ لماذا لا أسمع صوت الأذان؟ لم أكن لأتخيل كم سأشتاق لهذا الصوت الرباني، قالها لي أحد أصدقائي من قبل أنه لا يقبل أن يكون في بلد لا يمكنه سماع الأذان في طرقاتها، ضحكت وقتها و قلت لنفسي كم هو ساذج، و الآن أرى كم كنت أنا ساذجا وقتها …

ثم هناك ذلك الشعور أنك لا تنتمي لهذا المكان … صليت صلاة الاستخارة عدة مرات، و توكلت على الله و ألغيت حجز رحلة زوجتي و ابنتاي، و قمت بحجز تذكرة العودة … نعم، فلن أتحمل ذلك الذنب …

كثير ممن حولي لم يستطيعوا فهم ما فعلت. سمعت كلمات على غرار “تخطيط خاطئ منك”، “كيف لم تتوقع حدوث هذا؟” “ألم تكن تعلم أن كبار السن يمرضون اسرع من غيرهم” ” كيف لم تتوقع أن إبويك لن يوافقا على الذهاب معك؟” … يقولها صاحبها و هو ينظر الي نظرة المستاء ممن يتصرف برعونة و بلا مسئولية و يتسائل لماذا لا يكون كل الناس في مثل عبقريته؟ … عزيزي، لقد خططت، و نفذت، و سافرت و تجولت من أقصى ميلبورن الى أقصاها و عملت بعدة أشغال و أجرت منزلا ثم عدت، و انت تجلس على مؤخرتك حتى أصابها العفن من قلة الهواء، لا تدري حتى كيف تذهب الى سوهاج وحيدا!

لم أحب استراليا؟ نعم، يمكنني قول ذلك الى حد ما … لم أذهب خارج “ميلبورن” و لكن يمكنني الجزم بأنني ترحلت من شرقها الى غربها، و دخلت بيوتا كثيرة بحكم عملي في تركيب كاميرات المراقبة … بيوتهم جميلة و لكنها بلا حياة … قبور، كما وصفتها احدى معارف زوجتي …

لا أنكر أنني خسرت عدة إشياء و كدت أفقد وظيفتي الى الإبد، و لكنني تعلمت الكثير …

أغلب من ساعدني هناك كانوا مصريين … تعاملت مع سوريين و لبنانيين و عراقيين و سودانيين و أؤكد لكم: لسنا الجنسية الأسوأ في العالم …

إن كان لديك أب أو أم فلتبق، لا ترحل، فلن تسامح نفسك ما حييت، و ستعيش أيامك في انتظار أن يتركك أبنائك كما فعلت أنت … و ان لم يكن لديك أحد هنا فلترحل ولا تعد، و لا تندم، فربما كتب عليك أن تموت في بلد أخرى …
المصدر

Please follow and like us: